غبطة البطريرك ثيوفيلوس الثالث
بطريرك المدينة المقدسة أورشليم وسائر أعمال فلسطين والأردن
بشعور عميق من الشكر لله القدير، نرحب بكم اليوم في افتتاح جامعة المغطس الدولية الأرثوذكسية، هنا في المغطس في المملكة الأردنية الهاشمية. إن هذا اليوم، الذي طال انتظاره، يشكل مناسبة عظيمة للفرح والامتنان.
إن أهمية تأسيس صرح أكاديمي رائد جديد للعالم الأرثوذكسي تفوق كثيراً من التقديرات، ولا سيما في هذا الزمن الذي تواجه فيه الكنيسة تحديات جوهرية وفرصاً ملحة. ونحن نعلم أنه حتى في الأزمنة الصعبة، تبقى رسالة الكنيسة مدعوة إلى التقدم بثبات. وتمثل هذه الجامعة خطوة جديدة وأساسية في دعم كنيسة أرثوذكسية حية راسخة، ومتطلعة إلى المستقبل. كما نتطلع إلى استقبال طلبة من الأردن والمنطقة والعالم من مختلف الخلفيات والمسارات، إلى جانب نخبة من العلماء والباحثين من شتى أنحاء العالم، بما يعزز البيئة التعليمية المزدهرة في مملكتنا العزيزة، أرض الأردن المباركة.
ويسرنا أن الحرم الرئيسي لهذه الجامعة الجديدة يقوم في هذا الموقع المقدس والتاريخي، موقع معمودية سيدنا المسيح هنا، حيث تلقينا الوحي السماوي للثالوث القدوس، الذي يشكل جوهر الفهم المسيحي للإله الواحد، تقوم اليوم مؤسسة أكاديمية مكرسة للبحث في الحقيقة الدينية في ملئها. كما أن هذه الجامعة تكرم قدسية هذا الموقع، وتنسجم مع مكانته كموقع مدرج على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة.
ومن بالغ الأهمية أيضاً أن ترى هذه الجامعة الأرثوذكسية الجديدة النور في رحاب المملكة الأردنية الهاشمية. فالأردن منارة مضيئة للمسيحيين في الشرق الأوسط، وتبقى الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في الأرض المقدسة ركناً أساسياً في صون النسيج الحضاري والثقافي والديني المتعدد في منطقتنا. كما أننا ندرك بكل امتنان، أنه لولا الجهد المتواصل والرؤية الثابتة لصاحب الجلالة، لما شهدنا كثيراً من الإنجازات البارزة في ميدان الحوار بين الأديان والعلاقات الإنسانية، التي باتت سمة مميزة ليس للمجتمع الأردني فحسب، بل أيضاً للمبادرات الدولية الواسعة التي تقودها الأسرة الهاشمية.
صاحب الجلالة،
ليس في الأمر أي مبالغة حين نقول أمام هذا الجمع الكريم إنكم الحامي للمجتمع المسيحي في الشرق الأوسط.
ورغم أن هذه الجامعة تنطلق من هوية أرثوذكسية راسخة، إلا أنها ليست مؤسسة منغلقة على ذاتها. إن السياق الأردني، بما يجسده صاحب الجلالة من التزام أصيل وصادق بالحوار بين الأديان والازدهار الإنساني المشترك، وبما قدمته قيادتكم من مبادرات رائدة، وفي مقدمتها رسالة عمان، وكلمة سواء، وأسبوع الوئام العالمي بين الأديان، يمنح هذه الجامعة قدرة فريدة على غرس روح الحوار وثقافته في نفوس كل من يأتون إليها طلباً للعلم.
وفي هذا الفضاء العلمي والروحي، حيث يتكامل البحث مع التكوين الفكري والروحي والأخلاقي، نتذكر أن هذه مؤسسة ليست مجرد كلية لاهوتية، بل جامعة للعلوم الإنسانية بالمعنى الأوسع، يتلقى فيها الطلبة تعليماً كلاسيكياً متكاملاً في مختلف حقول المعرفة الإنسانية.
ستكون اللغة الإنجليزية لغة التدريس الأساسية، بما يفتح أبواب الجامعة أمام طلبة من مختلف أنحاء العالم، مع تركيز واضح على الفلسفة واللغة اليونانية لغة الأناجيل المقدسة. كما سيتلقى جميع الطلبة الوافدين تعليماً في اللغة العربية، وسيتعرفون إلى عمق الثقافة العربية وأثرها التاريخي والروحي في المسيحية في هذه المنطقة. وستقدم الجامعة أيضاً برامج في اللغة الروسية، والآرامية، ولغات أخرى.
وسيقدم هذا الصرح الأكاديمي، الذي يرى النور اليوم بحضوركم الكريم باقة من البرامج الأكاديمية المتجذرة في الينبوع الغني للتقليد، والمقدمة برؤية أكاديمية معاصرة في مضمونها وأساليبها التعليمية.
وإلى جانب البرامج الأكاديمية المؤدية إلى درجات علمية معترف بها، وإلى جانب البحث العلمي المتخصص، ستطلق الجامعة للمرة الأولى برنامجين دوليين مبتكرين.
يحمل البرنامج الأول عنوان “الكتب العظيمة”، ويُخصَّص للدراسة المتعمقة والمنهجية لأبرز الكتب التي أبدعتها الحضارة الإنسانية عبر تاريخها.
أما البرنامج الثاني، فهو برنامج خلوة روحية، وقد صُمم بعناية ليقام في هذا المكان ذاته، عبر الأردن حيث عاش سيدنا المسيح خلوته الروحية الخاصة وسيقضي الطلبة، مرة كل عام، وفي سياق مسيرتهم الأكاديمية، وتحت إشراف الهيئة التعليمية، فترة مخصصة للتأمل والصلاة والسلام الداخلي بعيداً عن صخب الحياة اليومية، في قلب البرية ذاتها التي سار فيها السيد المسيح، ومكث فيها أربعين يوماً بعد أن اعتمد على يد القديس يوحنا المعمدان.
كما تلتزم الجامعة بأن تعكس هيئاتها الإدارية والأكاديمية التنوع الإنساني الذي نعيشه، بحيث تضم ممثلين عن طوائف مسيحية متعددة، وتقاليد دينية مختلفة فهذا هو السبيل القويم في عالمنا المعاصر، حيث إننا جميعاً مدعوون إلى النمو في الوعي والاحترام، والتقدير المتبادل.
لا شك أن هذه لحظة تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فكثير من الرؤى والأهداف التي حملها هذا المشروع على امتداد السنوات ترى اليوم تحققها للمرة الأولى. وفي تاريخ العالم الأرثوذكسي، يمثل هذا المشروع مبادرة فريدة وغير مسبوقة.
إن هذه الجامعة تقف اليوم نداءً واضحاً من أجل تكوين الإنسان بكليته، حتى يخرج منها قادة مؤهلون، وأعضاء فاعلون في المجتمع، يدركون أننا رغم اختلافاتنا ننتمي جميعاً إلى عائلة إنسانية واحدة، ونتشارك مصيراً إنسانياً واحداً. ومن خلالهم، سنتعلم كيف نعيش معاً بمزيد من الحكمة، والوعي، والمسؤولية.
ولا يمكن أن تمر هذه المناسبة من دون أن نعبر لصاحب الجلالة عن امتناننا العميق لدعمكم الثابت وتشجيعكم المتواصل، وإرشادكم الكريم. فلولا التزامكم بهذا المشروع، لما قامت هذه الجامعة إلى الوجود.
كما نتقدم بخالص الشكر لكل الذين أسهم سخاؤهم في جعل هذا المشروع ممكناً، ولا سيما السيد مارك فولوشين والسيد سامر خوري والسيد مشيل الصايغ.
ونسأل الله القدير أن يبارك هذه الرسالة الجديدة، وأن يمنحنا الحكمة والقوة لإتمام هذا المشروع المبارك وتحقيق غاياته.
شكراً لكم.

